ابراهيم بن عمر البقاعي

25

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

اتَّخَذُوا أي كلفوا أنفسهم ضد ما دعتهم إليه الفطرة الأولى بأن أخذوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ أي أقرباء وأنصارا مِنْ دُونِ اللَّهِ أي الملك الأعلى الذي لا مثل له وَيَحْسَبُونَ أي والحال أنهم يظنون بقلة عقولهم أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * فأشار بذلك إلى أنهم استحقوا النكال لأنهم قنعوا في الأصول - التي يجب فيها الابتهال إلى القطع - بالظنون . ولما أمر سبحانه بالقسط وبإقامة الوجه عند كل مسجد ، أمرهم بما ينبغي عند تلك الإقامة من ستر العورة الذي تقدم الحث عليه وبيان فحش الهتك وسوء أثره معبرا عنه بلفظ الزينة ترغيبا فيه وإذنا في الزينة وبيانا لأنها ليس مما يتورع عنه لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « إن اللّه يحب إذا بسط على عبد رزقه أن يرى أثر نعمته عليه » « 1 » رواه أحمد والترمذي وابن منيع عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، وأتبع ذلك أعظم ما ينبغي لابن آدم أن يعتبر فيه القسط من المأكل والمشرب فقال مكررا النداء استعطافا وإظهارا لعظيم الإشفاق وتذكيرا بقصة أبيهم آدم عليه السّلام التي أخرجته من الجنة مع كونه صفي اللّه ليشتد الحذر : يا بَنِي آدَمَ أي الذي زيناه فغره الشيطان ثم وقيناه شره بما أنعمنا عليه به من حسن التوبة وعظيم الرغبة خُذُوا زِينَتَكُمْ أي التي تقدم التعبير عنها بالريش لستر العورة والتجمل عند الاجتماع للعبادة عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وأكد ذلك كونهم كانوا قد شرعوا أن غير الحمس يطوفون عراة . ولما أمر بكسوة الظاهر بالثياب لأن صحة الصلاة متوقفة عليها ، أمر بكسوة الباطن بالطعام والشراب لتوقف القدرة عادة عليها فقال : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وحسّن ذلك أن بعضهم كان يتدين في الحج بالتضييق في ذلك . ولما أمر بالملبس والمطعم ، نهى عن الاعتداء فيهما فقال : وَلا تُسْرِفُوا بوضع

--> ( 1 ) حسن . أخرجه أبو داود 4063 والنسائي 8 / 180 و 181 وابن حبان 5416 و 5417 والقضاعي في الشهاب 1100 والطبراني 19 ( 623 ) ( 624 ) والحاكم 4 / 181 وأحمد 3 / 473 و 4 / 137 من حديث أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة عن أبيه . صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي . وله شاهد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أخرجه الترمذي 2819 وقال : حديث حسن . وله شاهد آخر من حديث أنس أخرجه القضاعي 1101 وفي إسناده ضعف . وحديث أبي هريرة الذي ذكره المصنف هو عند البيهقي في الشعب برقم 6202 و 6203 وعند أبي نعيم في أخبار أصبهان 1 / 78 . وله شاهد آخر من حديث عمران بن حصين أخرجه ابن أبي الدنيا في الشكر 50 والقضاعي 1102 والبيهقي 3 / 271 وفي الشعب 6200 والطبراني في الكبير 281 و 418 والطحاوي في المشكل 4 / 151 وأحمد 4 / 238 ورجاله ثقات وكذا ، الحاكم في معرفة علوم الحديث ص / 161 .